لا للتشدد.. لا للانحلال

 

لا للتشدد.. لا للانحلال 

حين تُستحضر مفردة "التطرف"، فإنّ التشدد والتزمت والانغلاق، وتضييق الواسع، وفرض الوصاية على الناس، وإملاءهم بما يجب وما لا يجب فعله، وإكراههم على العمل برأي واحد، وإخضاعهم لمعيار واحد، حتى لو استلزم الأمر استهداف أمن المجتمعات واستقرارها ووحدتها ببثّ الفتن ونشر الخراب وإشاعة الدمار، كلّ هذا هو ما يحضر في الأذهان - عادةً - من معانٍ لتلك المفردة. 

 

ولا شك في أنّ ذلك المفهوم صحيح في حدّ ذاته، ولكنّ الرجوع إلى المعنى اللغوي للتطرّف، يكشف لنا عن جانبٍ آخر من المدلول المعاصر لتلك المفردة، فالتطرّف في اللغة: الوقوف على الطرف، والطّرف من كلِّ شيءٍ: منتهاه، وانطلاقًا من هذا المعنى الذي يشمل كلّ ما وقع على طرف، وبما أنّ الإفراط والتفريط وجهان لعملة التطرّف بالضرورة، فإنّ التشدد والغلو يمثّلان الإفراط، كما أنّ الانحلال والانسلاخ من أواصر المبادئ والأخلاق الفاضلة في المقابل يمثّلان التفريط، والنتيجة أنّ كلا الأمرين تطرّفٌ مرفوضٌ وملفوظ. 

 

تشهد مملكتنا عصرًا جديدًا غير مسبوق، فهي إلى جانب حربها على العنف والتطرّف، وتحرير الناس من أغلال "الصحوة" التي كانت في حقيقتها "غفوة" على مدى عدة عقود، تسبّبت في تشويه ديننا الحنيف عند أهله قبل غيرهم، وإهمال دنيانا التي أمرنا الله بإعمارها، أقول: إلى جانب ذلك، فقد أحدثت المملكة - فيما أحدثت من إنجازات - بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده – وفقهما الله - نقلةً اجتماعيّة نوعيّة عنوانها: "لا للتشدد، ولا للانحلال"، إلّا أنّ بعض الأفهام السقيمة والقلوب المريضة اعتقدت جهلًا وحُمقًا أنّ حرب الدولة على التشدد إنما كانت لإفساح المجال أمام انحطاطهم الفكري والأخلاقي، ولو تأملوا قليلًا تلك الحرب، لوجدوا أنّ التشدد والانحلال يقبعان في الخندق نفسه الذي تنبذه وتحاربه الدولة في سبيل إرساء الاعتدال والتوسّط. 

 

ولا أدلَّ على ذلك من عبارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان – حفظه الله ورعاه – التي ألقاها ضمن خطابه تحت قبّة مجلس الشورى خلال افتتاحه أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة للمجلس عام 1439 للهجرة، حين قال: "لا مكان بيننا لمتطرّف يرى الاعتدال انحلالًا، ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحلٍّ يرى في حربنا على التطرّف وسيلة لنشر الانحلال". 

 

ختامًا.. 

من سنن الله – جل وعلا - في الكون أن جعل الخير والشر متلازمين في كل مجتمع بشري، وإنّما تتفاضل المجتمعات بمقدار تفاضل الخير والشر فيها، والانحلال الأخلاقيّ شرٌّ لا يقلّ خطره عن الغلو والتشدد، ولا يختلف عنه في أثر الدمار المادّي والمعنوي الذي يخلّفه، وفي هذا يقول أمير الشعراء: 

وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِيَت 

فإن هُمُ ذَهَبَت أخلاقهم ذهبوا

 

الكاتب الاستاذ / وليد الشهري

كلية المجتمع قسم نظم المعلومات